الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

331

انوار الأصول

بقي هنا شيء : وهو ما يترتّب على هذا البحث من الثمرة في باب الاستصحاب : وهي عبارة عن جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة على بعض المباني وعدم جريانه على بعض آخر ، فما منها من الأمور التكوينيّة كالصحّة والفساد ( فإنّ الصحّة عبارة عن المطابقة مع المأمور به ، وهي أمر خارجي تكويني كما مرّ توضيحه ) فلا يمكن استصحابه ، كما لا يمكن استصحاب أثره وهو الاجزاء وإسقاط الإعادة والقضاء ، لأنّه أمر عقلي ، والاستصحاب يجري فيما إذا كان المستصحب أمراً شرعياً أو ذا أثر شرعي . وما كان منتزعاً من الأمور التكليفيّة كالجزئيّة والشرطيّة فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيه باعتبار منشأ انتزاعه ، فإذا شككنا في بعض الأحوال في جزئية السورة مثلًا نستصحب وجوب السورة ونثبت بقاء الأمر المتعلّق بها بلا ريب . وينبغي هنا ذكر ما مرّ من الشيخ الأعظم رحمه الله من مثال ضمان الصبي فإنّه قال : « إنّ معنى قولنا « إتلاف الصبي سبب لضمانه » أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف ، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله « أغرم ما أتلفته في حال صغرك » انتزع من هذا الخطاب معنى يعبّر عنه بسببيّة الإتلاف للضمان » وحاصله أنّ ضمان الصبي حكم وضعي ينتزع من الحكم التكليفي التعليقي . ولا يخفى ما يرد عليه من أنّه كيف ينتزع الحكم الوضعي الفعلي من حكم تكليفي تعليقي ؟ ( لأنّ الأحكام التكليفية تعليقية بالنسبة إلى الصبي ) فإمّا أن يقول بعدم ضمان الصبي في حال صغره فهو مخالف لظاهر كلمات القوم والأدلّة ، ولا نظنّ أن يلتزم به أحد ، وإمّا يقول بكونه ضامناً فعلًا ، وحينئذٍ لا بدّ من انتزاعه عن حكم غير فعلي ، وهو كما ترى . وما كان منها من الأمور المجعولة بالأصالة كالملكية والوكالة وغيرهما فلا شكّ في جريان الاستصحاب فيه . ثمّ إنّ للمحقّق الخراساني رحمه الله في ذيل هذا التنبيه إشكالًا وجواباً لا يخلو ذكرهما عن فائدة . أمّا الإشكال فحاصله : أنّ الملكيّة كيف تكون من الأحكام الوضعيّة والاعتبارات الحاصلة بالجعل والإنشاء ، التي هي من الخارج المحمول ، أي ليس بحذائها شيء في الخارج